الشيخ محمد رشيد رضا

230

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المشهور وانما تأتى لوصل كلام بكلام آخر مباين للأول تمام المباينة من جهة ذاته ، ومرتبط به من جهة السياق والغرض ، ففي مثل هذه الحال إذا فصل الثاني من الأول يكون في الفصل البحت وحشة على السمع وإيهام للذهن ان الغرض الذي سبق له الكلام قد انتهى فيجىء المتكلم بالواو ليستمر الأنس بالكلام في الغرض الواحد ويظل الذهن منتظر الغاية الفائدة والغرض منه فكأن المتكلم عند نطقه بالجملة المستأنفة بالواو للانتقال من جزء من كلامه قد تم إلى جزء آخر يراد به مثل ما يراد مما قبله يقول : هذا جزء من الكلام يثبت غرضى ويبين مرادي وثم جزء آخر منه وهو كذا . وهذا الشرح مبنى على كون الجملة المستأنفة لا اشتراك بينها وبين ما قبلها بوجه ما وإنما يقرنها بها السياق والغرض ، وفيها رأى آخر وهو أنها عطف على معنى خفى فيما قبلها غير مذكور ولا معين وإنما ينتزع من الكلام انتزاعا ، فلما كان كذلك لم يقولوا ان الواو فيها عاطفة إذ لا معطوف عليه في الكلام وقالوا للاستئناف مراعاة لصورة اللفظ ومنها أن اللام في قوله « للكفر » و « للايمان » متعلقة « بأقرب » على أنها بمعنى « إلى » فان المستعمل في صلة القرب حرفا « إلى » و « من » يقال قرب منه وقرب اليه . وقال بعضهم : انه يتعدى باللام أيضا ثم ذكر عن المنافقين قولا آخر قالوه بعد القتال - وإنما كان القول السابق قبل القتال اعتذارا عن القعود والتخلف - فقال ( الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ - وَقَعَدُوا - لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ) أي هم الذين قالوا لاخوانهم أو هو بدل من قوله « الَّذِينَ نافَقُوا » أو نعت له . أي قالوا لأجل إخوانهم الذين قتلوا في أحد وفي شأنهم والحال أنهم هم قد قعدوا عن القتال : لو أطاعونا في القعود عن القتال فلم يخرجوا كما أننا لم نخرج لما قتلوا كما أننا نحن لم نقتل إذ لم نخرج . قال الأستاذ الامام : هذا وصف آخر من أوصاف المنافقين جاء في سياق التقريع المتقدم . وقدم القول فيه على القعود عن القتال لأنه أقبح منه فان القعود ربما كان لعذر أو التمس الناس له عذرا واللوم فيه على فاعله وحده لأن أئمة لا يتعداه إلى غيره وأما هذا القول الخبيث فإنه